جمال الدين بن نباتة المصري
217
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
أمر الأركان التي منها تركيب أبدان الحيوان ، وكون جميع الأجسام التي تقبل الكون والفساد ، وفسادها ؛ وهو الذي برهن كيف يكون المرض والصحّة في جميع الحيوان والنّبات ، واستنبط أجناس الأمراض وجهات مداواتها وهو أوّل من اتّخذ البيمارستان ؛ وذلك أنه عمل بالقرب من داره موضعا مفردا للمرضى ، وجعل لهم خدما يقومون بمداواتهم وسمّاه « أخشيدوكن » أي مجمع المرضى ، وكذلك لفظ « البيمارستان » بالفارسىّ ، ولم يكن يرغب في الاتّصال بالملوك ؛ حتّى إنّ ملك الفرس كتب إلى عامله من بلاد اليونان ، يأمره بحمل أبقراط إليه لأجل وباء عرض في بلاده ، وأن يحمل مائة قنطار ذهبا ، ويضمن له أقطاعا مثلها ، وكتب إلى ملك اليونان في ذلك الوقت يستعين به على إخراجه إليه ، وضمن له مهادنته سبع سنين ، فلم يجب أبقراط إلى هذا ، وقال أهل المدينة : إن خرج أبقراط خرجنا كلّنا وقتلنا دونه . وتفسير « أبقراط » ضابط الكلّ . وقيل : ضابط الحيل ، وهو الصّحيح . وكتبه جليلة ، وأخباره حسنة . ومن ظريف حكاياته أنّ ولد أحد ملوك اليونان عشق جارية من حظايا أبيه ، فنحل بدنه ، واشتدّت علّته ، وهو كاتم خبره ، فأحضر أبقراط ، فجسّ نبضه ، ونظر إلى بشرته فلم ير عنده علّة ، فذاكره حديث العشق ، فرآه يهتزّ لذلك ويطرب ، فاستخبر الحال من حاضنته ، فلم يكن عندها خبر ، فقال : هل خرج من الدار ؟ فقالت : لا ، فقال لأبيه : مر رئيس الخصيان بطاعتى ؛ فأمره بذلك ، فقال : أخرج علىّ النساء ، فخرجن - وأبقراط واضع يده على نبض الصّبىّ - فلما خرجت الصبيّة الحظيّة اضطرب عرقه ، وحار طبعه ، فعلم أبقراط أنها المعنيّة بهواه . فصار إلى الملك فقال : إنّ ابن الملك عاشق لمن الوصول إليها صعب ، قال الملك : ومن تيك ؟ قال : هي زوجتي ، قال : فانزل عنها ولك عنها بدل ، فتمنّع أبقراط ، وقال : هل رأيت أحدا كلّف أحدا طلاق زوجته ! ولا سيّما الملك في عدله ونصفته ، يأمرني بمفارقة زوجتي